في الوقت الذي تخوض فيه النساء في عالمنا اللبناني والعربي نضالات يومية شاقة من أجل انتزاع أبسط حقوقهن في التنقّل، والعمل، والوجود المستقل، تطلّ علينا صانعة المحتوى عبير الصغير عبر شاشة التلفزيون لتطلق تصريحات وُصفت بأنها "صادمة وبعيدة كل البعد عن الواقع".
فأن تخرج شابة حققت نجاحها بفضل المساحات الرقمية المتاحة من الحرية، ثم تعيد تعريف حرية المرأة باعتبارها "تطلع عراحتها ترجع عراحتها تشتغل لحالها الإستقلالية بالتصرفات والإستقلالية المادية"، هو طرح لا يمكن وضعه إلا ضمن إطار يُنظر إليه باعتباره تراجعاً فكرياً وانتهازية اجتماعية.
ازدواجية المعايير: "مسموح لي وممنوع على غيري"
إن نقطة الضعف الجوهرية في هذا الخطاب تكمن في التناقض الواضح بين ما تعيشه عبير الصغير في واقعها العملي، وما تطرحه في خطابها العلني. ويرى كثير من المتابعين، وبحق، أن هذه التصريحات تنطوي على نبرة "استعلاء استحقاقي" غير مبرر، ويمكن تلخيص أبرز أوجه التناقض التي وُضعت على إثرها موضع انتقاد في ما يأتي:
التمرد الشخصي مقابل رفض استقلال الآخرين:بدأت عبير مسيرتها في صناعة المحتوى من دون علم أهلها، وهو فعل يحمل طابع الاستقلال وكسر القيود الأسرية التقليدية، لتأتي اليوم وتطرح خطاباً ينتقد هذا النوع من الاستقلالية.
حرية الحركة والعلاقات:خاضت تجربة الحب، وسافرت إلى الخارج مع خطيبها قبل الزواج بهدف العمل، وهي أشكال من الحرية والتنقّل لا تزال بعيدة عن متناول ملايين الفتيات في مجتمعاتنا، ومع ذلك يتم رفضها في خطابها الموجّه لغيرها من النساء.
الاستقلال المالي:استطاعت بناء دخلها وثروتها الخاصة، وتتمتع بحرية كاملة في إدارة أموالها، لكنها في المقابل ترى أن استقلال المرأة مادياً يمثل خطراً يستوجب الضبط والحد منه.
وخلاصة هذا التناقض أن عبير الصغير تبدو وكأنها تبنّت دور "المرأة الاستثنائية"، إذ تُجيز لنفسها ما ترفضه لغيرها، متجاهلة أن الأسس التي تنتقدها اليوم هي نفسها التي أتاحت لها الانتقال من مجرد هاوية إلى مؤثرة ناجحة ذات حضور واسع.
ألا تخجلين؟ صرخة في وجه تبديد المكتسبات
لا يقتصر الجانب الأكثر إيلاماً في هذا الخطاب على التناقض الفردي فحسب، بل يمتد إلى ما يُعدّ جهلاً أو تجاهلاً لواقع المرأة الصعب في المنطقة.
فكيف لشخص يمتلك منبراً يصل إلى ملايين المتابعين، ويتمتع بحرية التعبير، أن يستخدم هذا الصوت في طرح خطاب يُفهم منه أنه ينتقص من حقوق نساء اللوتي ما زلن يكافحن بصمت؟ إذ لا تزال آلاف النساء في مجتمعاتنا محرومات من حق التعبير، والتعليم، والتنقّل، ويعشن تحت قيود سلطات اجتماعية صارمة.
وعندما تُمنح امرأة مساحة واسعة للكلام في سياق يعاني فيه صوت النساء من التقييد، ثم تختار أن توجه خطابها نحو التشكيك في حرية المرأة واستقلالها المادي، فإن ذلك لا يُنظر إليه كمجرد رأي فردي، بل كخطاب قد يُفهم على أنه يشرعن استمرار القيود القائمة، وكأنه يقول ضمنياً: "إن حرية المرأة ليست ضرورة".



























